الحلبي

480

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

خلف من عنده من المسلمين فدخلوا عليه ، فإذا هو قد لبس مسحا وقعد على التراب والرماد ، فقالوا له : ما هذا أيها الملك ؟ فقال : إنا نجد في الإنجيل أن اللّه سبحانه وتعالى إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث للّه تواضعا ، وإن اللّه تعالى قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة ، وهي أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك ، كنت أرعى فيه الغنم لسيدي ، وهو من بني ضمرة ، وإن اللّه تعالى قد هزم أعداءه فيه ، ونصر دينه . وذكر السهيلي أن بكاءه عندما تليت عليه ( سورة مريم ) أي كما سيأتي حتى أخضل لحيته ، يدل على طول مكثه ببلاد العرب حتى تعلم من لسان العرب ما فهم به تلك السورة . قال : وعن جعفر بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه : لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا خير جار وأمنا على ديننا ، وعبدنا اللّه تعالى لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا رجلين جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة ، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم ، فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية : أي هيئوا له هدية ؛ ولا يخالف ما تقدم من أن الهدية كانت فرسا وجبة ديباج ، لأنه يجوز أن يكون بعض الأدم ضم إلى تلك الفرس والجبة للملك ، وبقية الأدم فرق على أتباعه ليعاونوهما على ما جاء بصدده ، والاقتصار على الفرس والجبة في الرواية السابقة لأن ذلك خاص بالملك . ثم بعثوا عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص يطلبان من النجاشي أن يسلمنا لهم : أي قبل أن يكلمنا ، وحسن له بطارقته ذلك ، لأنهما لما أوصلا هداياهم إليهم قالوا لهم : إذا نحن كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم لنا قبل أن يكلمهم : أي موافقة لما وصت عليه قريش . فقد ذكر أنهم قالوا لهما : ادفعوا لكل بطريق هدية قبل أن تكلما النجاشي فيهم ، ثم قدما للنجاشي هداياه ، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم ، فلما جاءا إلى الملك قالا له : أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء ؛ فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت : أي جاءهم به رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول اللّه ولم يتبعه منا إلا السفهاء ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ليردوهم إليهم ؛ فهم أعلم بما عابوا عليهم ، فقال بطارقته : صدقوا أيها الملك ، قومهم أعلم بهم فأسلمهم لهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم ، فغضب النجاشي وقال : لاها اللّه ، أي لا واللّه لا أسلمهم ، ولا يكاد قوم يجاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم ، فإن كان كما يقولان سلمتهم إليهما ،